علي الهجويري
26
كشف المحجوب
فصل : [ أسرار الربوبية في الكون ] اعلم - وفقك اللّه - أنى وجدت هذا العالم مفعما بأسرار الربوبية ، وأن مكوناته موضع ودائعه وأن مثبتاته محلا للطلعة . وذلك كله من الجواهر والأعراض والعناصر والأجرام ، والأشباح والطبائع ، كلها بالنسبة لأوليائه حجب للأسرار ، وإثبات كل واحد منها شرك في التوحيد . ذلك أن اللّه تعالى أمسك هذا العالم في الحجاب ، حتى وجدت طبائع كل العالم الطمأنينة بأمره ، وأضحت بوجودها آية توحيد الحق . ثم اشتغلت الأرواح في العالم بمزاجها ، وابتعدت عن موطن خلاصها حتى صارت الأسرار الربانية غامضة أمام العقول ، واختفت عن الأرواح لطائف القرب ، ما دام الإنسان بوجوده في مظنة الغفلة ، ومعيوبا على الخصوص بحجابه ، وذلك مصداقا لقوله تعالى وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ « 1 » . وقال أيضا إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا « 2 » وقال الرسول صلّى اللّه عليه وسلم « خلق اللّه الخلق في ظلمة ثم ألقى عليه نورا » « 3 » . إذن فإن هذا الحجاب قد ألقى به في عالم هواه ، وذلك لتعقله بالطبع ، واحتياله بالعقل ، حتى صار قانعا بالجهل . واشترى حجابه من الحق بالروح ، فمن هنا غفل عن جمال الكشف ، وأعرض عن تحقيق السريرة الربانية ، واستراح في حظيرة الدواب ، وطفق هاربا عن موطن نجاته ، ولم تصل إلى مشامه رائحة التوحيد ، ولم ير جمال الأحدية ، ولم يذق التوحيد ، وارتد عن تحقيق المشاهدة إلى تركيبه ، ورجع من إرادة اللّه إلى حرص الدنيا ، وقهر
--> ( 1 ) سورة العصر : آية 1 - 2 . ( 2 ) سورة الأحزاب : آية 72 . ( 3 ) رواه أحمد في مسنده والترمذي والكامل عن ابن عمر .